تاريخ آداب العرب
الغزل والنسيب
583 / 794 · Cilt 3, s. 78
يا حبذا الموسم من موقف ... وحبذا الكعبة من مسجد
وحبذا اللاتي يزاحمننا ... عند استلام الحجر الأسود
فتحولت الأخلاق يومئذ في سواد الأمة بهذا النسيب، حتى كان من الأشراف من يحاول أن يعيد الأخلاق العربية، كعبد العزيز بن مروان [والي] عبد الملك على مصر، فإنه كان لا يعطي شاعرًا شيئًا حتى يذكر أمه في مدحه لشرفها، فكان الشعراء يذكرونها باسمها في أشعارهم "ص136 ج1: الأغاني".
ولما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز تحامى شعراء الغزل أن يشهروا بالنساء في نسيبهم، وتحولوا عن طريقة ابن أبي ربيعة، حتى إن النصيب الشاعر المقدم في ذلك لم يأخذ جائزته إلا بعد أن شهدوا له أنه عاهد الله أن لا يقول نسيبًا يشهر به النساء "ص138ج1: الأغاني" واستمر أكثرهم على ذلك لا ينسب إلا تملحًا واستجمامًا على غير ريبة ولا فاحشة، ومالوا في ذلك إلى طريقة العرب، إلا ما لا بد منه من صنعة الأخلاق التي تناسب الغزل والتشاجي، حتى ظهر أبو المحدثين بشار بن برد، فأفرط في الصنعة؛ لأنه كان أعمى، وبالغ في تصوير الإحساس ليمتاز بذلك على المبصرين "وهو والأعشى معدودان كذلك عندهم" فكان سبيله إلى هذا الغرض أن نصب في شعره حبائل الشيطان وزخرفه بتزويق اللسان وقارب في غزله الناس بما كان يجتزئ ابن أبي ربيعة بنظره عن التحدث به في النسيب، حتى [اشتهر] نساء البصرة وشبابها بشعر بشار، وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهدي بن المنصور العباسي، وكان أشد الناس غيرة، فنهاه عن ذكر النساء وقول التشبيب "ص41 ج1: الأغاني" ثم ظهر بعد ذلك أبو فراس والعباس بن الأحنف، وهذا الأخير ليس في شعره مديح، إنما هو مصروف إلى النسيب يتوخى فيه صفة المعنى لا صفة الحكاية، وشعره عكس شعر الفرزدق؛ لأنه كان لا يقول في الغزل "ج1: البيان" والعباس لا يقول إلا فيه.
ومن ذلك العهد شاع النسيب والتحم بالشعر، ورغب فيه الخلفاء من شعرائهم حتى إن الرشيد أمر بحبس أبي العتاهية والتضييق عليه لما تزهد وآلى على نفسه أن لا يقول شعرًا في الغزل "ص160 ج3: الأغاني"؛ ثم أضاف البحتري إلى النسيب معنى تعلق به وردده في شعره واستقصاه، حتى كان الباب الذي شهر به على أنه أرق الناس نسيبًا وأملحهم طريقة، وذلك المعنى هو ذكر الطيف والخيال،
الجزء: 3 ¦ الصفحة: 78
Metin: el-Mektebetü'ş-Şâmile dizgisi. Ok tuşlarıyla (← →) sayfa çevirebilirsiniz.