وحي القلم
سر النبوغ في الأدب
841 / 1.011 · Cilt 3, s. 204
وهذه الحاسة هي كذلك من بعض الغرابة، تكون في صاحبها الموهوب كما تكون حاسة الاتجاه في الطيور التي تقطع في جو السماء إلى غاياتها البعدية من قطب الأرض إلى قطبها الآخر بغير دليل تحمله، ولا رسم تنظر فيه، ولا علم ترجع إليه؛ وكما تكون حاسة التمييز في النحل الذي يبني عسلته على هندسة ليست من كتاب ولا مدرسة، وحاسة التدبير في النمل الذي يدبر مملكته بغير علوم الممالك وسياستها؛ وكثيرا ما يجيء الأديب الملهم من حقائق الفكر وبيانه وأسرار الطبائع وأوصافها بما يغطي على فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء، ومثل هذا العبقري هو عندي فوق العلم، لا أقول بدرجة، ولكن بحاسة.
وبالإلهام يكون لكل عبقري ذهنه الذي معه وذهنه الذي ليس معه؛ إذ كنت له من وراء خياله قوة غير منظورة ليست فيه، ومع ذلك تعمل كما تعمل الأعضاء في جسمه، هينة منقادة كأنها تتصرف على اطراد العادة بلا فكر ولا روية ولا عسر ما دامت تتجلى عليه. * من الكيس وهو العقل فيكون عاقلا ويريد أن يزداد على مقداره.
** هذه هي الكلمة القديمة التي تقابل ما نسميه العبقري بلغة عصرنا، كأن الأشياء تحدثه بأسرارها، أو تحدثه بها قوة أعلى من القوى الإنسانية؛ وإذا كان محدثا فمعنى ذلك أنه ينطق عن سمع من الغيب؛ ومن ذلك ما زعم العرب من أن لكل شاعر شيطانا ينفث على لسانه، وهووصف دقيق للعبقرية إلا أنه باللغة الجاهلية، وقد صححه النبي صلى الله عليه وسلم فقال لشاعره حسان: قل وروح القدس معك. وفي كلمة "روح القدس" تنطوي فلسفة العبقرية كلها.
الجزء: 3 ¦ الصفحة: 204
Metin: el-Mektebetü'ş-Şâmile dizgisi. Ok tuşlarıyla (← →) sayfa çevirebilirsiniz.