تاريخ آداب العرب
مقدمة الطبعة الأولى
512 / 794 · Cilt 3, s. 6
هذه الحقيقة يعرفها كل من عانى مشقة البحث في هذه الكتب، فهي كتب للقراءة المجردة لا للبحث العلمي، عرف الرافعي ذلك فاتخذ له طريقًا.
فكان أول ما يصنع أن ينتخب كل الكتب التي يعنيه أمرها فيما يمهد له من البحث فيقرأها كلها قراءة درس؛ أعني ينفضها نفضًا بحيث لا يفوته منها معنى يتصل بموضوعه، ثم يشرع بعد ذلك في العمل، فيكتب لكل كتاب مما قرأ ملخصًا يضم المجلدات الكثيرة في كراسة أو كراسات يرجو أن تغنيه عن أصولها المطولة. ثم يعود إلى هذه الملخصات فيرتب أجزاءها ترتيبًا يضم القريب إلى القريب بحيث يجد طلبته عند النظرة الأولى من غير أن يتعب في تقليب الأوراق. ثم تكون الخطوة الرابعة، فيزاوج بين ملخصات الكتب المختلفة بضم الأشباه منها إلى الأشباه. ثم يكتب.
ثم يعود إلى ذلك المكتوب فيقرؤه قراءة الباحث: يزاوج بين رأي ورأي ليخرج منهما إلى رأي ثالث. وتجتمع له من ذلك المقدمات التي تبلغ به النتيجة.
ثم تأتي المرحلة الأخيرة، وهي التهذيب والصقل الفني، من صناعة البيان وتحكيك الألفاظ وتجميل المعاني وتزيين الأسلوب.
سبع مراحل بين البدء والنهاية. ثم يخرج الكتاب لقارئه ليسائل نفسه في عجب: أين ومتى اجتمع لمؤلفه ذلك القدر من المعارف في شئون العرب والعربية فألف بين أشتاتها في هذا الكتاب؟
سؤال كنت أسأله نفسي قبل أن أرى وأعرف وأضع يدي على تلك الأوراق التي خلفها في درج مكتبه لأؤلف من أشتاتها هذا الكتاب.
قلت: كانت المرحلة الأولى في مؤلفات الرافعي العلمية أن يختار طائفة من الكتب يرجو أن تعينه على البحث. وأقول إن أول ما كان يختار من ذلك، كتب التراجم. وطريقته في التحصيل من هذه الكتب، أن يقرأ الكتاب ما بين دفتيه، ثم يكتب له ملخصا يشمل أسماء أهل الفنون الأدبية وامتياز كل منهم، مثل الشعراء، والخطباء، والكتاب، والرواة؛ ثم أسماء الكتب، وموضوعها، وفنون العلم، ومعارضات العلماء بعضهم لبعض؛ ثم الطرائف الأدبية التي تشير إلى معنى يتصل بشيء من موضوعه. وفي كتب التراجم من هذه الطرائف ما ليس في كتاب.
الجزء: 3 ¦ الصفحة: 6
Metin: el-Mektebetü'ş-Şâmile dizgisi. Ok tuşlarıyla (← →) sayfa çevirebilirsiniz.