تاريخ آداب العرب
فصل: البلاغة في القرآن
452 / 794 · Cilt 2, s. 171
ومهما كان العرب من الرياضة والتمرين واعتياد النفس وإدمان الدربة وذكاء الفطر ودقة الحس، فإن هذه كلها تجري مجرى تلك العلوم في نسبة القدرة على الفهم إلى القوة على العمل. الناس كلهم علم واحد1 في أن هؤلاء العرب جميعًا يفهمون الشعر، ولكنا لم نجدهم كلهم شعراء، ورأينا الشعراء منهم متفاوتين وعرفنا التفاوت بينهم واضحًا، حتى لينفرد الواحد من الجميع في فن من أغراض الشعر، ثم لا يبينه منهم إلا بلاغة التراكيب؛ ومبلغ قوته في سياستي البيان والمنطق، وما قلناه في الشعراء فهو في صدقه على الخطباء هو بعينه، والخطابة أمس بما نحن فيه وأدنى إلى القصد منه، لا يقطعها من دونه ما عسى أن تنقطع عنده الحجة في الشعر، وإن كان الباب واحدًا.
وأنت إذا اعتبرت القرآن على تلك الوجوه التي فصلناها، رأيته أعلى من البلاغة التي وضعت لها تلك الفنون، فإن هذه من بيان اللسان الذي لا يرتفع عن طبقة اللغة ولا يخرج من وجوه العادة في تصريفها، وسنن أهلها في إبراز معانيها، وهذا أمر يقع فيه التفاوت، ويخرج بعضه إلى الإحكام وبعضه إلى التسامح وبعضه أمر بين ذلك؛ لأن حالات المعاني مختلفة مع النفس فبعضها ما ينقاد، وبعضها مما يستكره؛ ثم النفوس مختلفة على حسب ذلك جمامًا ونشاطا أو ضعفًا وتخاذلًا، ومهما يكن في آثارها من بلاغة المعاني وإحكامها ورونق العبارة ونظامها، فإن نفسًا أنفذ من نفس، وحسا أدق من حس، وقوة أبلغ من قوة، وإحاطة أوسع من إحاطة.
ومن ههنا نجد العبارة البليغة الواحدة كثيرًا ما تقع المواقع المختلفة على طبقات متعددة في أهل النظر حين يتأملونها ويصفونها، فإن بقيت على بلاغتها مع جميعهم لم يردها أحد ولا أنكرها، فلا بد 1 أي: هذا أمر معروف للناس جميعًا.
الجزء: 2 ¦ الصفحة: 171
Metin: el-Mektebetü'ş-Şâmile dizgisi. Ok tuşlarıyla (← →) sayfa çevirebilirsiniz.