تاريخ آداب العرب
أسلوب القرآن
417 / 794 · Cilt 2, s. 136
فانظر، هل تحس شيئًا من كل ما تقدم أو من شبه ما تقدم في أسلوب القرآن الكريم؟ وهل ترى فيه من الغرابة التي يكسوها البلغاء كلامهم في تجويد رصفه وحبكه، إلا أن غرابته في كونه منسجما لا غرابة فيه؟ وهل عندك أغرب من هذه السهولة التي يسيل بها القرآن، وهي في كثير من الكلام وكثير من أغراضه تقتضي الابتذال، وفي القرآن كله على تنوع أغراضه لا تقتضي إلا الإعجاز؟
وانظر، هل ترى هذه السهولة الغريبة في نفسها مما يمكن أن يحس فيها روح إنساني كسائر الأساليب، أم هي سهولة الأوضاع الإلهية التي يعرفها كل الناس ويعجز عنها الناس كلهم، ثم يعرف العلماء منها غير ما يعرفه الجهال، ثم يمتاز بعض العلماء في المعرفة بها على بعض، ثم يبقى فيها سر الخلق مع كل ذلك مكتومًا لا يعرف، وما هو سر الإعجاز!.
وتأمل، هل تصيب في القرآن كله مما بين الدفتين إلا رهبة ظاهرة لا تمويه في شيء منها، وإلا أثرًا من التمكن يصف له منزلة المخلوق من أمر الخالق، وإلا روحًا أكبر من أن يكون نفسًا إنسانة أو أثرًا من آثار هذه النفس، ثم هل تجد في أغراضه إلا ما كان في وضعه مادة لتلك الرهبة ولذلك الأثر وذلك الروح؟
هذا على أن فيه من المعاني والأغراض الوافرة، مما لو كان في كلام الناس لظهر عليه صبغ النفس الإنسانية لا محالة، بأوضح معانيه وأظهر ألوانه؛ وبصفات كثيرة من أحوال النفس، 1 يعيب بعض علمائنا الجهلة المستحمقين ممن يسمون أنفسهم مجددين ما يرون في الكتابة العربية من الترادف. ولو كانوا عورًا للفتناهم إلى أن أصل الخلقة أن يكون في الوجه عينان لا عين واحدة "ولكنهم قوم يجهلون".
2 ثبت أن كاتب فرنسا العظيم "أناتول فرانس" الذي كان آية في حسن الأسلوب الكتابي، كان يبلغ من التنقيح أن يعيد كتابة العبارة ثماني مرات أحيانًا، وأنه لم يكن يكتب إلا على هذه الطريقة.
الجزء: 2 ¦ الصفحة: 136
Metin: el-Mektebetü'ş-Şâmile dizgisi. Ok tuşlarıyla (← →) sayfa çevirebilirsiniz.