تاريخ آداب العرب
المواضعة على الألفاظ
36 / 794 · Cilt 1, s. 42
ومما يستأنس به أن تلك المخلوقات الهائلة التي كانت لعهد النشأة الأولى وانقرضت، ربما كان في أصواتها بعض مقاطع متنوعة يتألف من مجموعها "أبجدية" صالحة، وهي التي ورثها الإنسان وركب منها أصول لغته، وذلك فضلًا عن جهاز الصوت وشدته التي تترك له أثرًا في النفس هنيهة يتمكن فيها الإنسان من استيفاء صنعة التقليد الصوتي على أتم وجوهها. والله أعلم بغيبه.
فاللغات قبل التاريخ بزمن لا يذكر التاريخ في حسابه، وقد تمشت على سنن الاجتماع وجرت معه في طريق واحدة؛ ولا يزال ذلك من أمرها إلى اليوم في الشعوب المنحطة، فإن من أهل أوستراليا من ليس في لغتهم من العدد إلا واحد واثنان "نتات، نايس" ويكررونه مع لفظ الواحد إذا عدوا خمسة، فإذا بلغوا الستة كرروه ثلاث مرات، ثم يقرنون بها لفظ الواحد للسبعة، وذلك منتهى ما يعدون؛ أما ما وراءه السبعة فيشيرون إليه بلفظ "كثير". وما كانت لفظة الكثرة لتطلق على الثمانية كما تطلق على الثمانين مثلًا إلا لأن ما بين المعنيين من الجزئيات غير مضبوط في نظام الاجتماع بل هو مطلق فيه، وكذلك يطلق الاسم عليه.
وقد وجد علماء اللغات أيضًا أن من أولئك من يعبرون عن معنى الصلابة، بلفظ الحجر؛ وعن معنى الاستدارة، بلفظ القمر؛ وهكذا من المترادفات التي هي أصول طبيعية ثابتة لتلك المعاني المتفرعة.
وذكروا أن أهالي "المكسيك" القدماء لما رأوا السفينة أول مرة سموها "بيت الماء"، وأن أهل "ميسوري" لم يكن عندهم غير الأدوات المتخذة من الصوان، فلما جيء إليهم بالحديد والنحاس سموا الأول حجرًا أسود والثاني حجرا أحمر؛ وأن بعض أهالي أمريكا لما رأوا الخيل أول مرة، ولم تكن في أرضهم اختلفوا في تسميتها، فبعضهم سمى الجواد "الكلب المسحور" وآخرون سموه "الخنزير الحامل للإنسان"؛ وكذلك لما رأى أهل "المكسيك" المعزى ولم يكونوا عرفوها من قبل سموها "رأس شجرة وشفة شعر". ومثل هذا كثير أحصاه علماء اللغات، ودلوا عليه بألفاظه في منطق أهله، فلا بد أن تكون كل اللغات قد جرت في ارتقائها على هذا النحو حفظه التاريخ في جملة أدلته، والذي هو
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 42
Metin: el-Mektebetü'ş-Şâmile dizgisi. Ok tuşlarıyla (← →) sayfa çevirebilirsiniz.