تاريخ آداب العرب
حفظ الأسانيد في الحديث
189 / 794 · Cilt 1, s. 191
وبعد أن ضعف علم الرواية واقتصروا في الحديث على ما لا بد منه، كان لا ينبغ من حفاظ الأسانيد المتسعين فيها إلا الأفذاذ الذين تعقم بهم الأزمنة المتطاولة؛ ومن أشهرهم الحافظ أبو الخطاب بن دحية الأندلسي المتوفى سنة 633هـ، وقد انفرد هذا الرجل بحفظ حواشي اللغة، حتى صار عنده مستعملًا، وامتاز بذلك في المتأخرين، كما انفرد بحفظ الأسانيد، حتى إنه لما حضر إلى مصر في دولة بني أيوب -أيام الملك الكامل- جمعوا له علماء الحديث فذكروا له أحاديث بأسانيد حولوا متونها ليعرفوا مبلغ حفظه فأعاد المتون المحولة وعرف عن تغييرها، ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية وردها إلى أسانيدها الصحيحة.
وكان مثل هذا يعد غريبًا في القرن الثالث، والحفاظ متوافرون، والأسانيد قريبة الأطراف، فإن علماء مصر الذين امتحنوا أبا الخطاب إنما حذوا في ذلك حذو علماء بغداد في امتحان الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح المتوفى سنة 256هـ رحمه الله؛ فقد نقل كثير أنه لما قدم بغداد اجتمع أصحاب الحديث وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا من هذا الإسناد آخر، وإسناد هذا لمتن آخر، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس؛ امتحانًا لحفظه، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب أحدهم فقام وسأله عن حديث من العشرة التي حفظها؛ فئقال: لا أعرفه! واستمروا يسألونه وهو يقول: لا أعرف! حتى أتوا على المائة! فلما علم أنهم فرغوا، التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا وصوابه كذا، وحديثك الثاني قلت فيه كذا صوابه كذا؛ واستمر حتى أتى على تمام العشرة، ثم فعل بالآخرين مثل ذلك ما يخطئ ترتيب حديث علي غير ما ألقي عليه، ولا في نسبة حديث إلى غير صاحبه الذي ألقاه، وهو كل ذلك يرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، فأقر الناس له بالحفظ. وقيل إنه كان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطته، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن؛ فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة، لا في الإسناد ولا في المتن؛ {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} . 1 مر بك أن أول من صنف التفسير بالإسناد، مالك بن أنس رضي الله عنه، ثم صار من بعده طريقة المحدثين، حتى ليقل أن تجد حافظًا منهم لا تفسير له.
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 191
Metin: el-Mektebetü'ş-Şâmile dizgisi. Ok tuşlarıyla (← →) sayfa çevirebilirsiniz.