تاريخ آداب العرب
شيوع اللغة العامية وفساد العربية
169 / 794 · Cilt 1, s. 172
ولما تعطلت ألسنة البدو من الإعراب تصرفت في الكلام على غير نظام، فاختلفت من ثم لهجاتهم، حتى لتسمع العربي منهم فيغطي منطقه عندك على ما يعطيه كلامه؛ فإذا هو فصل ألفاظه رأيتها عربية صريحة؛ وقد سمعنا بعض شعرائهم من المعاصرين ينشد في رثاء الحسين عليه السلام شعرًا بدويا مطلعه:
تمنتن بلفين فوق احصنا ... يوم كربلا وونجيه قبل الجنا
وألقى الشطر الأول متلاحق الكلمات مختلس الحركات فلم نفهم منه شيئًا حتى كشف لنا عن معناه، فإذا "تمنيتني بألفين فوق أحصنة" يريد نجدة الحسين عليه السلام بفرسانه قبل أن يستشهد؛ وانظر أين ما نطق مما أراد، وبهذا تتبين ما قدمناه، من أن كيفية النطق قد تنشئ لغة أحيانًا.
هذا ما نراه في أسباب اختلاف اللغات العامية، وهي في جملتها تاريخ طبيعي لهذا الاختلاف، غير أن كل سبب منها في تفصيله يحتمل أبحاثًا مستفيضة بما يلتمس له من الأمثلة في اللهجات المتباينة على كثرتها، ثم ما يستقصى مع ذلك من حوادث التاريخ الاجتماعي التي أنشأت اللغة إنشاء وجعلت لها في كل مصر معنى متميزًا، وفي كل بلد هيئة مقومة وصفة بينة، حتى كأن لغة الأمة على الحقيقة أمة من اللغة. 1 قال ابن خلدون: إن هذا الجيل الباقين "يعني البدو" معظمهم ورؤساؤهم شرقًا وغربًا في ولد منصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس بن غيلان، من سليم بن منصور، ومن بني عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور، قال: وهم لهذا العهد أكثر الأمم في المعمور وأغلبهم، وهم من أعقاب مضر.
ومن أراد أن يقف على أنساب بقايا العرب المتفرقين في مصر والشام والمغرب فعليه بما نقله القلقشندي من ذلك في الجزء الأول من كتابه "صبح الأعشى" ثم برسالة المقريزي "البيان والإعراب، عن النازلين بأرض مصر من قبائل الأعراب" وكلاهما مطبوع. وهذا غير ما يكون لمن يلتمس التحقيق فيقابل بين ما في الكتابين وما في الأصول العامة من كتب الأنساب.
الجزء: 1 ¦ الصفحة: 172
Metin: el-Mektebetü'ş-Şâmile dizgisi. Ok tuşlarıyla (← →) sayfa çevirebilirsiniz.